المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : المجموعات الشبابية الدعوية إلى أين ؟! ’’ الحلقة الخامسة‘‘


صالح السويح
21-09-2007, 02:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

ايها الأخوة نكمل ما بدأناه من الحديث عن أهل التهريج و أسأل الله أن يوفقنا لسداد وللفائدة :

فهذا رابط الحلقة الأولى :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=18190
رابط الحلقة الثانية :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=20101t=10419
رابط الحلقة الثالثة :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=20574
رابط الحلقة الرابعة :
http://sudayr.com/vb/showthread.php?t=23126

والحديث في هذه الحلقة عن بعض الشبهات التي يتعلق بها مربي الشباب بهذه الطريقة فأقول مستعينا بالله :


• شبهات بعض المربين للشباب على هذه الطريقة والجواب عنها .

الشبهة الأولى :
أن هذا من المزاح المحمود الذي تكون به الألفة :
والجواب على هذا بأن نبين مسألة المزاح في الشريعة ، وهل المزاح غالب على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وبيان الفرق بين مزح الرسول صلى الله عليه وسلم وبين تهريج المهرجين فأقول :
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هو و أمي أحسن الناس خلُقاً ، وأكملهم خَلْقاً . وكان خلقه القرآن وأثنى الله تعالى عليه بقوله : { وإنك لعلى خلق عظيم }
[ القلم : 4 ] ، ونفى الله تعالى عن رسوله الكريم الفضاضة و الغلظة فقال جل وعلا : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وقال سبحانه مخبراً عن رسوله و مخاطباً له :{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }[ آل عمران : 159 ] . وأخرج البخاري رحمه الله عن عطاء بن يسار لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال : " ... ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ..." الحديث وهو عليه الصلاة والسلام الذي حث على حسن الخلق وبين جزاء أهله ، وحث على العفو والصفح ، والتواضع ، والابتسامة والتبسط مع الناس ومخالطتهم ، كما أنه عليه الصلاة والسلام امتثل ذلك فكان هديه أكمل هدي و أحسنه كما قال الله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وقال عليه الصلاة والسلام كما في خطبة الحاجة : " فإن أحسن الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ... " و من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمزح .
ولكن ! كيف كان هديه صلى الله عليه وسلم في المزاح وهل المزاح مذموم أو محمود ؟ والجواب : أنه و بلا شك أن هديه أكمل هدي ، وأحسنه . فهو وسط بين الغالي والجافي فكان يمزح ولا يقول إلا حقاً ولا يداوم عليه وكان يبتسم ويضحك ولم يكن يتقهقه. والمزاح ليس بممدوح مطلقاً ولا بمذموم مطلقاً وسيتبين هذا من خلال الكلام .
فمما ثبت في مزاحه صلى الله عليه وسلم :
1- ما أخرجه البخاري عن أنس قال: إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير?.
2- ما أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: " إِنّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا.".
3- وأخرج الترمذي عن الحسن قال: أتت عجوز من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة فقال لها: أَمَا عَلِمتِ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدخلُهُاَ العَجَاَئِزُ وفي روايةٍ العجوزَ وفي رواية لاَ تَدخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ فبكت وفي رواية فصرخت فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال لها: لَستِ يَومَئذٍ بعَجُوزٍ أَمَا قَرَأتِ قَولَهُ تعالى: {إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاءَ * فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكاَراً * عُرُباً أَتَراباً؟}.
4- و أخرج أبو داوود وغيره عن أنس أن رجلا استحمل فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إِنّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فقال: ما أَصنع بولد الناقةِ? فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وهَل تَلِدُ الإبِلَ إِلاَّ النُّوقُ?.
5- و أخرج أبو داوود والترمذي عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له:
" يَا ذَا الاُذُنينِ".
وغيرها من الأحاديث الكثير مما هو موجود في الصحاح و المسانيد . وهكذا هم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وسلف هذه الأمة كانوا يمزحون ، ويخلطون جدّهم بشيء من المزاح كما هو ثابت عنهم . فلا بأس بالمزاح على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم و يروى عن سعيد بن العاص أنه قال لابنه: " اقتصد في مزحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المؤانسين، ويوحش منك المصاحبين."
قال الشاعر :
أُروّح القلب ببعض الهـزلِ && تجاهلاً منّي بغير جـهـلِ
أَمزح فيه مزحَ أَهل الفَضل && والمزحُ أَحياناً جِلاء العقلِ
وقال البستي
أفِد طبعَك المكدودَ بالـجِـدّ راحةً && يَجِمَّ وعللّه بشيء من الـمـزحِ
ولكن إِذا أَعطيتَه المزح فلـيكـن && بمقدار ما تعطي الطَّعامَ من الملحِ

إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن دأبه المزاح واللهو بل كان معتدلا في ذلك عليه الصلاة والسلام فليس فيما سقته من الأحاديث مستمسك لأهل التهريج . فقد بوب البخاري رحمه الله باباً في صحيحه فقال : باب الانبساط إلى الناس والدعابة مع الأهل . قال الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 10/645 ) : " الدعابة : هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره ، وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا فقال : ( إني لا أقول إلا حقاً ) و أخرج من حديث ابن عباس ورفعه ( لا تمار أخاك وتمازحه ) الحديث والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله و التفكر في مهمات الدين ويؤل كثيراً إلى قسوة القلب و الحقد وسقوط المهابة والوقار ، والذي يسلم من ذلك هو المباح ، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب ، قال الغزالي من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم مزح ، فهو كمن يدور مع الريح حيث دار ، ينظر رقصهم ، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم " ا.هـ وقال الإمام النووي رحمه الله كما ذكر ذلك العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب البر والصلة رقم 56 : " اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه ، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب و يشغل عن ذكر الله و الفكر في مهمات الدين ويؤل في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار ، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ( على الندرة ) ، لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته . و هو سنة مستحبة فاعلم هذا فإنه مما يحتاج إليه " ا.هـ
فتبين من هذا أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس غالبا على حياته ، فهو وسط بين الجافي الذي نزعت من قلبه الرحمة ، وبين الغالي الذي جعل دينه لهواً ولعبا ونسي أن الشريعة أوامر وتكاليف ،وأن العمل بالشريعة و الاستقامة على الدين مطية للجنة ، والجنة حفّت بالمكاره والنار حفّت بالشهوات . وبهذا يعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .

و بهذا يعلم الفرق بين مزاح أهل التهريج ومزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تلك الفروق :

1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً ، بخلاف أهل التهريج ، فإنهم يمزحون بالغث والسمين وبالحق والباطل كما ذكرت من سماتهم .
2- انه لم يكن يداوم عليه ، فيخلط الجد بالهزل . بخلاف المهرجين ، حيث جعلوا المنهج الذي يسيرون عليه في دعوتهم قائم أساساً وأصلاً على التنكيت و المزاح مع إدخال النصح والتذكير فيه . ولذلك يستغرب جداً أن يحضر احدهم ولا يقدم للجمهور ما عنده من السخافات التي يظنها دعوة إلى الله ، فإذا لم يمزح ويُنكِّت – وهذا نادر إن لم يكن معدوماً - سرعان ما يمل الجمهور ثم تجد التذمر على ألسنتهم .
3- أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصاحبه خروج عن السمت المأمور به ، فضلاً عن الحدود من الأوامر والنواهي . وهؤلاء خرجوا عن السمت النبوي وذلك بالإكثار من الضحك و القهقهة . و خرموا حدود ما أمر الله به ونهى عنه من الكذب والسخرية بالمسلمين والتشبه بالنساء وغير ذلك مما سبق بيانه .

ويتبين هذا من خلال ما قاله الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 10 / 618-619) تحت ما بوبه الإمام البخاري بقوله : باب التبسم والضحك . قال الإمام ابن حجر : " التبسم مبادئ الضحك ، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور ، فإن كان بصوت ، وكان بحيث يسمع من بُعْد فهو القهقهة ، و إلا فهو الضحك ، وإن كان بلا صوت فهو التبسم " ثم قال رحمه الله : " والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم ، وربما زاد على ذلك فضحك ، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه ، فإنه يذهب الوقار ، قال ابن بطال : والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله ما واظب عليه من ذلك فقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه من وجهين ورفعه عن أبي هريرة رضي الله عنه : ’’ لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ‘‘ . " ا.هـ
وبهذا يعلم الفرق بين مزاحه ومزاح أهل التهريج وفرق بين الثرى و الثريا ، فأين من كان إذا وعظ صحابته وذكرهم كأن على رؤوسهم الطير تعظيما لجنابه ، وأدبا مع ما يلقيه عليهم من الآيات والحكمة ، ممن إذا دخلت مواعظهم حسبتك داخلا في دار لهو أو أمام خشبة مسرح أو ( سينما ) ! .
ثم إنه قد جاء عن بعض السلف ذم المزاح وهو محمول على ما خرج عن الهدي النبوي فمما جاء في ذلك ما ذكره الإمام الغزي في كتابه المراح في المزاح وقد عاش في القرن التاسع فمما ذكر من الآثار والحكم :
قال إبراهيم النخعي: المزاح من سخف أو بطر.
وقيل في منثور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب.
وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته
وقال بعض البلغاء: من قل عقله. كثر هزله.
ثم قال – الإمام الغزي – رحمه الله : " فالعاقل يربأ بنفسه عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحهم مطلقا، وكذلك عن مزاح من هو أكبر منه لما ذكرنا من الحقد وخرق الحرمة، ولا بأس به بين الإخوان بما لا أذى فيه ولا ضرر ولا غيبة ولا شين في عرض أو دين، قاصدا به حسن العشرة والتواضع للإِخوان والانبساط معهم ودفع الحشمة بينهم من غير استهتار أو إخلال بمروءة أو نحوه استنقاص بأَحد منهم، فقد قيل للخليل بن أحمد إنك تمازح الناس فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وفي الاقتداء بمن ذكر والاقتفاء بآثارهم أعظم بركة، وفي الخروج عن ذلك الحد أشد عناء وأبلغ هلكة، وخير الأمور أوساطها. "ا.هـ

وبهذا يعلم الجواب على هذه الشبهة ويعلم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المزاح ، و أنه ليس بغالب على حياته ، ويعلم الفرق بين مزاحه صلى الله عليه وسلم ومزاح أهل التهريج . كما يعلم ضوابط المزاح، و آثار الإكثار منه و الخروج به عن الحد المشروع و إن كان لذلك تفصيل فيما سيأتي من الكلام . ويليه الشبهة الثانية و الجواب عنها إن شاء الله


والحمد لله رب العالمين


صالح السويح
8/9/1428هـ

صالح السويح
21-09-2007, 05:55 PM
الشبهة الثانية :

أن هذا من الحكمة في الدعوة إلى الله
والجواب عن ذلك بأمور :
أولا : لا شك أن الله تعالى أمر بالحكمة في القول والفعل ، وحث على ذلك ، و أثني على أهلها وذلك في آيات كثيرة . وهذه الحكمة التي أمر الله بها ، و أثنى على أهلها، لا يجوز لنا أن نفسرها بأهوائنا ، إنما تفسر كما يفسر كلام الله تعالى ، بالقرآن ، وبالسنة من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، وبما فهمها السلف الصالح رحمهم الله . فأما ادعاء أن فعل شيء ما من الحكمة ، وهو خلاف النصوص فهذا باطل ، وكذا إذا كان مخالفا لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما سار عليه السلف الصالح .
فمن هذه الآيات :
1- قال الله تعالى : { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ( النحل : 125 ).
قال ابن كثير رحمه الله معلقا على هذه الآية : { أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن } ( النحل : 125 ). " يقول الله تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوا الخلق إلى الله بالحكمة . قال ابن جرير : هو ما أنزل الله عليه من الكتاب والسنّة والموعظة بالتي هي أحسن أي بما فيه من الزواجر و الوقائع بالناس ، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله . و ( جادلهم بالتي هي أحسن ) أي : من احتاج منهم مناظرة و جدال فليكن ذلك بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله تعالى ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم ) ... " ا.هـ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقاً على هذه الآية كما في مجموع الفتاوى ( 19/164 ) : " فالقلوب التي لها فهم وقصد تدعى بالحكمة ، فيبين لها الحق علما وعملاً فتقبله وتعمل به . وآخرون يعترفون بالحق لكن لهم أهواء تصدهم عن اتباعه ، فهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة المشتملة على الترغيب في الحق والترهيب من الباطل ... فالدعوة بهذين الطريقين لمن قبل الحق ، ومن لم يقبله فإنه يجادل بالتي هي أحسن " وقال في مجموع الفتاوى ( 2/45 ) : " الناس ثلاثة أقسام : إما أن يعترف بالحق ويتبعه ، فهذا صاحب الحكمة . وإما أن يعترف به ولكن لا يعمل به فهذا يوعظ حتى يعمل ، و إما أن يعترف به فهذا يجادل بالتي هي أحسن ، لأن الجدال فيه مظنة الإغضاب ، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان " ا.هـ والجدال بالتي هي أحسن قد يكون بالين و الرفق ، وقد يكون بالشدّة والغلظة كما قال الله تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين و أغلظ عليهم }.
2- وقال تعالى : { ولقد آتينا لقمان الحكمة ... } ( لقمان : 12 )
قال ابن كثير في قوله تعالى : { ولقد آتينا لقمان الحكمة ... } ( لقمان : 12 ) قال : " أي الفهم والعلم " ا.هـ
3- وقال تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } ( البقرة : 269 ) قال ابن كثير رحمه الله : " قال علي ابن أبي طلحه عن ابن عباس : يعني المعرفة بالقرآن ، ناسخه و منسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، و مقدمه ومؤخره ، وحلاله و حرامه ، وأمثاله . وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا : الحكمة القرآن يعني تفسيره ، فإنه قد قرآه البر والفاجر رواه ابن مردويه . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : يعني بالحكمة الإصابة بالقول . وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد ( يؤتي الحكم من يشاء ) : ليست بالنبوة ، ولكنه العلم والفقه والقرآن . و قال أبو العالية : الحكمة خشية الله ، فإن خشية الله رأس الحكمة . وقد روى ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان ابن زفر الجهني عن أي عمار الأسدي عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا : رأس الحكمة مخافة الله . وقال أبو العالية في رواية عنه :الحكمة الكتاب والفهم . وقال إبراهيم النخعي : الحكمة الفهم . وقال أبو مالك الحكمة السنة . وقال ابن وهب عن مالك قال زيد ابن أسلم : الحكمة العقل . قال مالك : و إنه ليقع في قلبي أن هو الحكمة الفقه في الدين ، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله ، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلاً في أمر الدنيا إذا نظر فيها ، وتجد آخراً ضعيفاً في أمر دنياه عالماً بأمر دينه بصيرا به ، يتيه الله إياه ويحرم هذا فالحكمة الفقه في الدين . وقال السدي : الحكمة النبوة . والصحيح – والكلام هنا للإمام ابن كثير رحمه الله – أن الحكمة كما قاله الجمهور : لا تختص بالنبوة بل هي أعم منها ، وأعلاها النبوة ، والرسالة اخص ؛ ولكن لاتباع الأنبياء حظ من الخير عل سبيل التبع " ا.هـ
ففي هذه الآية الحث على الحكمة ، وبيان منزلة من آتاه الله الحكمة ، وفيما سبق يتبن لنا المراد من الحكمة ، وهل تنطبق على السمات المذكورة السابقة ؟! البين واضح ، والفرق شاسع وهذا ما سأبينه لاحقاً .
ثانيا : وجاء الحث على الحكمة والثناء على أهله في السنة فمما جاء من الأحاديث في ذلك :
1- فقد بوب البخاري رحمه الله في الصحيح فقال : باب الاغتباط في العلم والحكمة ، ثم ساق بسنده عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ".قال ابن حجر في الفتح ( 1/ 219 ): " قيل المراد بالحكمة ؛ كل ما منع عن الجهل و زجر عن القبيح "ا.هـ
2- أخرج البخاري بسنده عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من الشعر حكمة " قال ابن حجر في الفتح ( 10 /661 ) : " أصل الحكمة المنع فالمعنى إن من الشعر كلاما نافعا يمنع من السفه " ا.هـ
وأحاديث كثيرة تبين الحكمة ومواطنها وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ، ومنها أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة خشية السأم ، وأن من حكمته أنه كان يعطي الرجل من المال وغيره أحب منه خشية أن يكبه الله على وجهه في النار ، و كان يراعي شعور أصحابه رضي الله عنهم كما في قصة شراءه الجمل من احد الصحابة ، ومن حكمته حلمه على من آذاه بشخصه ، لم يكن صلى الله عليه وسلم يغضب لنفسه قط ، ومن حكمته أمره بالرفق و الأناة و امتثاله ذلك ومن الحكمة أمره بالتيسير والتبشير و نهيه عن التعسير و التنفير ، ومن حكمته أنه كان ينهى عن الكذب و عن الحديث بكل ما سمع المرء و أن هذا من الكذب ، ومن حكمته نهيه عن التشبه بالنساء و العكس ومن حكمته أنه كان خلقه القرآن و كان سمحاً لينا هينا متواضعاً وغير ذلك . فكان صلى الله عليه وسلم يعمل بالحكمة التي توصل إلى المقصود الشرعي .
ثالثاً : تعريف الحكمة في الشرع . و هل ينطبق التعريف على طريقة أهل التهريج ؟
الحكمة عرفها أهل العلم في الاصطلاح الشرعي بتعاريف كثيرة ، وقد سبق معنا بيان جملة من ذلك كما في تفسير الإمام ابن كثير لقوله تعالى : { يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً } ( البقرة : 269 ) وكما مرّ معنا في تعليق الإمام ابن حجر على الحديثين السابقين . وهي على سبيل العدِّ كالتالي :
1- المعرفة بالقرآن ، ناسخه و منسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، و مقدمه ومؤخره ، وحلاله و حرامه ، وأمثاله .
2- الإصابة بالقول .
3- العلم والفقه .
4- خشية الله
5- الكتاب والفهم .
6- السنة .
7- العقل .
8- النبوة .
9- إتباع سبيل الأنبياء .
10- كل ما منع عن الجهل و زجر عن القبيح .
11- ما منع عن السفه والطيش .
ومما سبق يتلخص لنا تعريف الشرعي للحكمة ، و أنها دائرة على أمور ثلاثة :
الأول : العلم بما يدعو إليه مع الفقه فيه .
الثاني : الموافقة والإصابة للسنة .
الثالثة : العقل والمنع عن ما يشين و يقبح العمل به .
فالأول كما قال الله تعالى : { قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة } .والثاني وكما في الآية السابقة { ... إلى الله ...} ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله عنها " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " متفق عليه . والثالث دل عليه التتبع لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمته . ويدخل في الثالث ركنان من أركان الحكمة في الدعوة إلى الله وهما :
1- الحلم . وضده الغضب والحمق وخفة العقل .
2- الأناة . وضدها الطيش والعجلة .
و مما سبق يتلخص لنا التعريف الشرعي للحكمة وهي : [ الإصابة في القول والعمل و الاعتقاد مع وضع كل شيء في موضعه ] فـ ( الإصابة في القول والعمل ) : فيها العلم والفقه في الدين ، إذ لا يمكن أن يصيب فيهما الحق إلا بأن يعلمه ويعلم ما يخالفه. و ( الاعتقاد) : فيها موافقة السنة أي الاعتقاد وذلك بتحقيق ركنيها وهما الإخلاص والمتابعة . و ( وضع كل شيء في موضعه ) فيها جماع الحكمة من القول الحسن والرفق في موضع الرفق والشدّة في موضع الشدّة والحلم في موضع الحلم والأناة في موضع الأناة .

وبعد ،
فالناظر لهذا التعريف الشرعي للحكمة ، يعلم مخالفة السمات المذكورة للحكمة التي كان عليه رسول الله صلى الله عليه . فالكذب و السخرية بالمسلمين والتشبه بالنساء و هتك الستر المرخى على بعضهم من الله تعالى و الدلالة والتنبيه للغافل أو الجاهل على طرق اكتساب المنكرات و تهوين الذنوب في نفوس المستمعين أمور جاءت النصوص بتحريمها في الجد و الهزل و الأعظم أن تتخذ هذه المحرمات عبادة لله تعالى تتخذ كوسائل للدعوة إلى الله ، ومعلوم أن الوسائل لها أحكام المقاصد . فلا تتخذ للمقاصد المشروعة إلا الوسائل الخالية من المحذور الشرعي . و الخروج عن السمت والهدي الحسن وذلك بالتقليد الأعمى . و كثرة اللهو واللغو والضحك الدال على السفاهة والخفة و الاعتماد على القصص حسب ما ذكرته كل ذلك مخالف لما دل عليه الأدلة المبينة لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمته وطريقة دعوته .

والحمد لله رب العالمين


صالح السويح
9/9/1428هـ

راعي الجوفا
21-09-2007, 07:54 PM
http://www.5leejcafe.com/up/uploads/e62f1f8c12.gif

صالح السويح
22-09-2007, 02:19 AM
وفيك بارك أخي الفاضل

الفارس
22-09-2007, 03:08 AM
الله يجزاك خير استاذي الكريم صالح السويح ،،

ونسأل الله ان يجزل لك الاجر في هذا الشهر الفضيل ،،

واعتقد ان ما يتعلق بالتهريج انه يكون وبلا شك منقصة وقصور

في الرجال ،،

ولكن المقبول هو المزاح في اوقات محدودة ،،

فكثرة المزح تذهب الهيبة وتقلل من قيمة الرجل عند الاخرين ،،

هذا ما احببت ان اذكره ،،

وتقبل تحياااااااااتي ،،

صالح السويح
22-09-2007, 11:51 AM
الفارس أحسن الله إليك وشكر لك مرورك . ولا شك وهذا ما ذكرته في مقالي .

صالح السويح
22-09-2007, 05:42 PM
الشبهة الثالثة :
أن هذا من باب التأليف
و الجواب على هذه الحجة كالجواب على سابقتيها فيكتفى به و سيتبين ذلك ظمن الجواب على الشبهة الخامسة .

_____________________

الشبهة الرابعة :
تحسين الصورة المتخيلة عن المستقيمين
وذلك كما يظن بعض هؤلاء أن بعض الشباب يتصور أن المستقيمين أهل تزمت وانغلاق . والجواب على هذه الشبهة بما يلي :
اولاً : أنه لا شك أن بعض الشباب يحمل هذا التصور ، إلا أن التعميم على المستقيمين غير صحيح ،إذ أن فهوم أهل الاستقامة لحقيقة الاستقامة تختلف ، وذلك بحسب فقه كل فرد بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو للطريقة التي تربى عليها الشخص ، أو للبيئة المحيطة به . وعليه تجد الجفاء والغلظة عند بعضهم . ولكن ! هل الطريقة الصحيحة لإزالة هذا التصور من عقول بعض الشباب بما سبق ذكره من المبالغة في الانبساط إلى حد التهريج ؟! ويتضح هذا من خلال الجواب الثاني وهو :
ثانياً :- أن أسلم طريقة و أصح سبيل لإزالة هذه الفكرة من عقول الشباب تربيتهم على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن زعم أن حقيقة التدين ، وقوة الشخصية و الهيبة ، ورجاحة العقل في العبوس وعدم التبسم فقد انتقص رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر أم لم يشعر ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أخشى الخلق بالله ، و أعرفهم به . كما أن من زعم أن التزامه بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكفي لتأليف قلوب الشباب ، فقد طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر أم لم يشعر . ولقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم مشركين ، مظلمة قلوبهم ، أجلاف ، شداد ، متفرقة أهواءهم ، غلبت عليهم العصبية و الحمية الجاهلية ؛ فألف بين قلوبهم ، وذلك بما أعطاه الله من الحكمة والعقل وحسن العشرة فبهداه اقتده ولا تغلو أو تقصر فتخطفك الطير أو تهوي بك الريح في مكان سحيق .

صالح السويح
22-09-2007, 05:43 PM
الشبهة الخامسة

أن الدعوة في هذا العصر قد نفر عنها الناس ، ولا سبيل إلى جذبهم إلا بهذه الطريقة وإلا فلن يجلس أحد للاستماع الدعوة
والجواب على هذه الشبة : بأمور :
الأول : أن هذا لا يُسَلَّم لكم ، وفي هذا القول سوء ظن بالمسلمين ، ونظرة سوداء ، فمن قال هلك الناس فهو أهلكم . ففي الناس من يمقت هذه الطريقة طريقة أهل التهريج ، ويرى أن أهلها أهل سخف و سفاهة . فتراه حريصاً على الدروس التأصيلية أو حريصا على المحاضرات النافعة المفيدة الخالية من التهريج والتي لا تخلو من شيء من الدعابة بأدب وهدي وسمت حسن .
ثانيا : إن سلمنا بهذا القول فهذا لا يستغرب ، فأهل الحق هم أقل الناس كما قال الله تعالى : { و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله }[ الأنعام :16 ] وقوله تعالى : { و ما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } [ يوسف:103 ] وقوله تعالى : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } [الأعراف : 102] وقوله تعالى : { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين } [ الروم : 42 ] وليس العلاج لتكثير هذه القلة و هدايتهم بسلوك سبيل غير سبيل الأنبياء ، بل إنما هو سبيل واحد و صراط واحد لا عشرات ، كما قال الله تعالى : { وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } و الأنبياء صلوات ربي وسلامه عليهم ما فتئوا ثابتين على منهجهم في الدعوة إلى الله لم يتزحزحوا عنها مع قلة أتباعهم ما قال الله تعالى : { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين * وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون } [ الحجر : 10،11 ] و في الحديث المتفق عليه عن عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط ، والنبي ومع الرجل والرجلان ، والنبي وليس معه أحد ... " ا.هـ فقلة الأتباع ليست بمبرر لسلوك السبل المخالفة لطريق المرسلين ، والغربة في كل زمان سمة من سمات أهل الاتباع كما قال الله تعالى : { فولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم ...} [ هود:116 ] . وفي الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء " و رواه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود وفيه : " ومن الغرباء ؟ قال : النزاع من القبائل " وفي رواية عنده : " الغرباء الذين يَصْلُحون إذا فسد الناس " وللترمذي وحسّنه : " الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سنتي " وفي رواية عنده : " ناس صالحون قليل في ناس كثير من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " و في رواية عند البيهقي : " الذين يحيون سنتي و يعلمونها الناس " .قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين ( 3/150 ) : " فهؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ، ولقلتهم في الناس جداً سموا غرباء ؛ فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات . فأهل الإسلام في الناس غرباء ، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء ، وأهل العلم في المؤمنين غرباء ، وأهل السنّة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فهم غرباء ، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد أولئك غربة ؛ ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم ، وغنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم : { و إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله } [ النعام:116 ] . " ا.هـ ثم ذكر الإمام ابن القيم سمات أهل الغربة فقال : " ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم رسول الله صلى الله عليه وسلم التمسك بالسنّة إذا رغب الناس عنها ، و ترك ما أحدثوه وإن كان هو المعروف عندهم ، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس ، و ترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، لا شيخ ، ولا طريقة ، ولا مذهب ، ولا طائفة ، بل هؤلاء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده ، وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالاتباع لما جاء به . وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً ، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم ، فلغربتهم بين هذا الخلق يعدّونهم أهل شذوذ ، و بدعة ، ومفارقة للسواد الأعظم " ا.هـ
ثالثاً : أن هذا القول ينبئ عن جهل في حقيقة دعوة الرسل صلوات ربي وسلامه عليهم: إن دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم قائمة على تعبيد الناس لرب العالمين ، وذلك برفع الجهل عنهم بالله تعالى وبشريعته ، ولم تكن دعوتهم قائمة ابتداءً على تجميع الناس و ( مداهنتهم باسم التأليف ) فيقعوا فيما حرّم الله و هو اتباع أهواء الضالين ، و ذلك لأن الناس لهم أهواء مختلفة ، فإذا ما سار الداعية إلى الله على طريق إرضاء الجمهور وعدم إغضابهم ( باسم عدم التنفير ) فإنه حتماً سيتبع هواه و أهواءهم كما قال الله تعالى : { ودوا لو تدهن فيدهنون } وكما قال تعالى : { فاستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم } وقوله تعالى : { يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله } و قوله تعالى : { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير } وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } . و هنا يجب التفريق بين التأليف والمداهنة ، وبين فعل شيء فعله فيه مصلحة للدعوة أو ترك شيء في تركه مصلحة للدعوة وبين ارتكاب المحرمات أو ترك الوجبات . فتأليف الناس وترغيبهم في دين الله تعالى إنما هو مقيد بعدم الإخلال بالأصل الذي قامت من أجله الدعوة إلى الله فيعود عليه بالإبطال ؛ وبيان ذلك بأن الدعوة قامت على أصل وأس ثابت هو أصل الأصول وهو أن تكون إلى الله كما قال الله تعالى : { قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله } فالدعوة إلى الله لا تكون بارتكاب ما حرّم الله من الكذب والتشبه بالنساء والسخرية بالمسلمين ، فإذا ما دخلت هذه الأمور و غيرها في الدعوة عادت على هذا الأصل بالإبطال ولم تصبح دعوة إلى الله بل ؛ أصبحت دعوة إما لأشخاص الداعين ، أو آرائهم و أهوائهم المخالفة للشرع ، أو طرقهم أو إلى الشطان ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في درء التعارض ( 1/133 ) : " فنحن نعلم أن كل حق يحتاج إليه الناس في أصول دينهم لابد أن يكون مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإذا كانت فروع الدين لا تقوم إلا بأصوله ، فكيف يجوز أن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم أصول الدين التي لا يتم الإيمان إلا بها لا يبينها للناس ؟! ومن هنا يُعرف ضلال من ابتدع طريقاً أو اعتقاداً زعم أن الإيمان لا يتم إلا به ، مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يذكره " ا.هـ وإذا ما فعلت المحرمات و تركت الواجبات بزعم التأليف و استجلاب القلوب كانت هذه هي المداهنة المنهي عنها في الدين قال الإمام ابن حجر رحمه في الفتح ( 10/647 ) : " قال ابن بطال : المداراة من أخلاق المؤمنين ، وهي خفض الجناح للناس وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أكبر أسباب الألفة . و ظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلِط ، لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة ، والفرق أن المداهنة من الدهان ، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه ، وفسّرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق والرضا بما هو عليه من غير إنكار ، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق بالنهي عن فعله ، ترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول و الفعل ، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه و نحو ذلك "ا.هـ فتأمل تقييده المداراة بقوله : (حيث لا يظهر ما هو فيه ) وألحق هذا الاقتباس بما قبله وما بعده يتضح لك الفرق بين المداراة والمداهنة ، فالمعاشرة مع الوقوع في المعصية – وأعظمها الشرك بالله- مع عدم الإنكار مداهنة وليست مداراة وتأمل قوله : ( معاشرة الفاسق والرضا بما هو عليه ) فإن قال قائل : إنني لا أرضى بما هو واقع فيه من المعاصي كبيرها وصغيرها ولكن لا أريد أن أنكر حتى لا ينفر عني ، قلنا له : كذبت ، فأنت راضٍ بما هو عليه ولا يكفي الكره بالقلب مع المعاشرة مع قدرتك على النصح والإنكار وتركك لذلك . إذ لابد من البعد عن المواقع للمعاصي وهجره والبعد عن مخالطته إن لم يكن هناك بد من ترك المناصحة حتى تتميز صفوف أهل الاتباع وأهل الإعراض عن الهدى و الحق ، وتأمل ما ذكرته من سمات لأهل التهريج هل هي داخلة في باب المداراة أم في باب المداهنة ؟! والجواب أوضح من أن اكتبه .
وكذلك فرق بين زعم فعل شيء فعله فيه مصلحة للدعوة أو ترك شيء في تركه مصلحة للدعوة فقدم شيئاً على شيء وبيْن ارتكاب المحرمات أو ترك الوجبات إذ لا مصلحة في الدين إلا وقد بينها الشارع ولا مفسدة إلا حذّر منها والخير كل الخير في الاتباع والشر كل الشر في الابتداع .
و فعل شيء في فعله مصلحة للدعوة إنما هو مرتبط بكون المُقَدَّم فعله خال من المحذور الشرعي وكذلك ترك شيء في تركه مصلحة للدعوة يلزم منه أن يكون المتروك -الذي قدم عليه غيره غير واجب في أصل الشرع . فمن زعم أن الكذب و التشبه بالنساء فعله فيه مصلحة للدعوة وذلك لتأليف القلوب وتطييبها فقد قال غير الحق إذ لم تجعل الشريعة المصلحة فيما حرم الله وإلا للزم من ذلك الطعن في الشريعة ، ومن زعم أن تقديم ما ليس بواجب على الواجب من مصلحة الدعوة فقد طعن في الرسالة وقال على الله ما لم يعلم ، كمن دعا الناس وحثهم حسن الأخلاق وقيام الليل مع تركهم لفرض واجب كالتوحيد وتحقيقه أو الصلاة والقيام بها أو دعا إلى سنن الرواتب مع تركهم للصلاة أو دعاهم للصدقة مع تركهم للزكاة أو ونحو ذلك ودخل في هذا من دعاهم لواجب مع تركهم لما هو أوجب ؛ كمن يعلم الناس أهمية الصلاة وفرضيتها وصفتها مع وقوعهم في الشرك الأكبر وهذا ناشئ من سوء فهم لحقيقة دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كما في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنه المتفق عليه .قال : لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له : " إنك تأتي قوماً من أهل كتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ( وفي رواية : إلى أن يوحدوا الله ) ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك ؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك و كرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " قال العلامة صالح الفوزان حفظه الله في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 1 / 107 ) : " فيه التدرج بالدعوة ، وانه يبدأ بالأهم فالأهم ، وهذه طريقة الرسل " أ.هـ
وبهذا يتبين الجواب على هذه الشبهة العليلة والتي هي اول ما يتعلق بها اهل التهريج

والحمد لله رب العالمين


صالح السويح
10/9/1428هـ

شمــ الليل ــعة
22-09-2007, 09:02 PM
جزاك الله خير والله يجعلها بموازين حسناتك

زهور الريف
22-09-2007, 09:23 PM
وفقك الله وأثابك بإذن الله

صالح السويح
22-09-2007, 11:24 PM
حياك الله شمعة الليل وشاكر لك مرورك

صالح السويح
22-09-2007, 11:24 PM
زهور الريف لا عدمناك

ريف سدير
23-09-2007, 02:01 AM
أخي صالح ..

غداً سترى السخف والتهريج الحقيقي بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني !!

غداً الوطن يدعو فتيانه وفتياته للاحتفال به <<< اليوم التلفزيون السعودي بقنواته الأربع يعمل جاهداً على ترسيخ هذه البدعة السخيفة ..

إذن دعوة مجانية للتهريج غداً !!

ولكن هذه المرة باسم الوطن !!

ويا قلب لا تحزن

شكراً لطرحك الرائع أخي صالح السويّح ،،

صالح السويح
23-09-2007, 11:00 AM
الأخ الفاضل ريف سدير ، كل هذا لا نرضاه و ننكره ولم نكن نحب أن يوجد .
نسأل الله ان يهدي ولاة أمور المسلمين . ولكن لهم ما أوجب الله علينا من الطاعة بالمعروف .

ريف سدير
23-09-2007, 11:46 AM
أحسنتَ أخي صالح