صالح السويح
21-09-2007, 02:06 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
ايها الأخوة نكمل ما بدأناه من الحديث عن أهل التهريج و أسأل الله أن يوفقنا لسداد وللفائدة :
فهذا رابط الحلقة الأولى :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=18190
رابط الحلقة الثانية :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=20101t=10419
رابط الحلقة الثالثة :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=20574
رابط الحلقة الرابعة :
http://sudayr.com/vb/showthread.php?t=23126
والحديث في هذه الحلقة عن بعض الشبهات التي يتعلق بها مربي الشباب بهذه الطريقة فأقول مستعينا بالله :
• شبهات بعض المربين للشباب على هذه الطريقة والجواب عنها .
الشبهة الأولى :
أن هذا من المزاح المحمود الذي تكون به الألفة :
والجواب على هذا بأن نبين مسألة المزاح في الشريعة ، وهل المزاح غالب على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وبيان الفرق بين مزح الرسول صلى الله عليه وسلم وبين تهريج المهرجين فأقول :
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هو و أمي أحسن الناس خلُقاً ، وأكملهم خَلْقاً . وكان خلقه القرآن وأثنى الله تعالى عليه بقوله : { وإنك لعلى خلق عظيم }
[ القلم : 4 ] ، ونفى الله تعالى عن رسوله الكريم الفضاضة و الغلظة فقال جل وعلا : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وقال سبحانه مخبراً عن رسوله و مخاطباً له :{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }[ آل عمران : 159 ] . وأخرج البخاري رحمه الله عن عطاء بن يسار لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال : " ... ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ..." الحديث وهو عليه الصلاة والسلام الذي حث على حسن الخلق وبين جزاء أهله ، وحث على العفو والصفح ، والتواضع ، والابتسامة والتبسط مع الناس ومخالطتهم ، كما أنه عليه الصلاة والسلام امتثل ذلك فكان هديه أكمل هدي و أحسنه كما قال الله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وقال عليه الصلاة والسلام كما في خطبة الحاجة : " فإن أحسن الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ... " و من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمزح .
ولكن ! كيف كان هديه صلى الله عليه وسلم في المزاح وهل المزاح مذموم أو محمود ؟ والجواب : أنه و بلا شك أن هديه أكمل هدي ، وأحسنه . فهو وسط بين الغالي والجافي فكان يمزح ولا يقول إلا حقاً ولا يداوم عليه وكان يبتسم ويضحك ولم يكن يتقهقه. والمزاح ليس بممدوح مطلقاً ولا بمذموم مطلقاً وسيتبين هذا من خلال الكلام .
فمما ثبت في مزاحه صلى الله عليه وسلم :
1- ما أخرجه البخاري عن أنس قال: إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير?.
2- ما أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: " إِنّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا.".
3- وأخرج الترمذي عن الحسن قال: أتت عجوز من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة فقال لها: أَمَا عَلِمتِ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدخلُهُاَ العَجَاَئِزُ وفي روايةٍ العجوزَ وفي رواية لاَ تَدخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ فبكت وفي رواية فصرخت فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال لها: لَستِ يَومَئذٍ بعَجُوزٍ أَمَا قَرَأتِ قَولَهُ تعالى: {إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاءَ * فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكاَراً * عُرُباً أَتَراباً؟}.
4- و أخرج أبو داوود وغيره عن أنس أن رجلا استحمل فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إِنّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فقال: ما أَصنع بولد الناقةِ? فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وهَل تَلِدُ الإبِلَ إِلاَّ النُّوقُ?.
5- و أخرج أبو داوود والترمذي عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له:
" يَا ذَا الاُذُنينِ".
وغيرها من الأحاديث الكثير مما هو موجود في الصحاح و المسانيد . وهكذا هم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وسلف هذه الأمة كانوا يمزحون ، ويخلطون جدّهم بشيء من المزاح كما هو ثابت عنهم . فلا بأس بالمزاح على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم و يروى عن سعيد بن العاص أنه قال لابنه: " اقتصد في مزحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المؤانسين، ويوحش منك المصاحبين."
قال الشاعر :
أُروّح القلب ببعض الهـزلِ && تجاهلاً منّي بغير جـهـلِ
أَمزح فيه مزحَ أَهل الفَضل && والمزحُ أَحياناً جِلاء العقلِ
وقال البستي
أفِد طبعَك المكدودَ بالـجِـدّ راحةً && يَجِمَّ وعللّه بشيء من الـمـزحِ
ولكن إِذا أَعطيتَه المزح فلـيكـن && بمقدار ما تعطي الطَّعامَ من الملحِ
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن دأبه المزاح واللهو بل كان معتدلا في ذلك عليه الصلاة والسلام فليس فيما سقته من الأحاديث مستمسك لأهل التهريج . فقد بوب البخاري رحمه الله باباً في صحيحه فقال : باب الانبساط إلى الناس والدعابة مع الأهل . قال الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 10/645 ) : " الدعابة : هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره ، وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا فقال : ( إني لا أقول إلا حقاً ) و أخرج من حديث ابن عباس ورفعه ( لا تمار أخاك وتمازحه ) الحديث والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله و التفكر في مهمات الدين ويؤل كثيراً إلى قسوة القلب و الحقد وسقوط المهابة والوقار ، والذي يسلم من ذلك هو المباح ، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب ، قال الغزالي من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم مزح ، فهو كمن يدور مع الريح حيث دار ، ينظر رقصهم ، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم " ا.هـ وقال الإمام النووي رحمه الله كما ذكر ذلك العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب البر والصلة رقم 56 : " اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه ، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب و يشغل عن ذكر الله و الفكر في مهمات الدين ويؤل في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار ، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ( على الندرة ) ، لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته . و هو سنة مستحبة فاعلم هذا فإنه مما يحتاج إليه " ا.هـ
فتبين من هذا أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس غالبا على حياته ، فهو وسط بين الجافي الذي نزعت من قلبه الرحمة ، وبين الغالي الذي جعل دينه لهواً ولعبا ونسي أن الشريعة أوامر وتكاليف ،وأن العمل بالشريعة و الاستقامة على الدين مطية للجنة ، والجنة حفّت بالمكاره والنار حفّت بالشهوات . وبهذا يعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
و بهذا يعلم الفرق بين مزاح أهل التهريج ومزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تلك الفروق :
1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً ، بخلاف أهل التهريج ، فإنهم يمزحون بالغث والسمين وبالحق والباطل كما ذكرت من سماتهم .
2- انه لم يكن يداوم عليه ، فيخلط الجد بالهزل . بخلاف المهرجين ، حيث جعلوا المنهج الذي يسيرون عليه في دعوتهم قائم أساساً وأصلاً على التنكيت و المزاح مع إدخال النصح والتذكير فيه . ولذلك يستغرب جداً أن يحضر احدهم ولا يقدم للجمهور ما عنده من السخافات التي يظنها دعوة إلى الله ، فإذا لم يمزح ويُنكِّت – وهذا نادر إن لم يكن معدوماً - سرعان ما يمل الجمهور ثم تجد التذمر على ألسنتهم .
3- أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصاحبه خروج عن السمت المأمور به ، فضلاً عن الحدود من الأوامر والنواهي . وهؤلاء خرجوا عن السمت النبوي وذلك بالإكثار من الضحك و القهقهة . و خرموا حدود ما أمر الله به ونهى عنه من الكذب والسخرية بالمسلمين والتشبه بالنساء وغير ذلك مما سبق بيانه .
ويتبين هذا من خلال ما قاله الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 10 / 618-619) تحت ما بوبه الإمام البخاري بقوله : باب التبسم والضحك . قال الإمام ابن حجر : " التبسم مبادئ الضحك ، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور ، فإن كان بصوت ، وكان بحيث يسمع من بُعْد فهو القهقهة ، و إلا فهو الضحك ، وإن كان بلا صوت فهو التبسم " ثم قال رحمه الله : " والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم ، وربما زاد على ذلك فضحك ، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه ، فإنه يذهب الوقار ، قال ابن بطال : والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله ما واظب عليه من ذلك فقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه من وجهين ورفعه عن أبي هريرة رضي الله عنه : ’’ لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ‘‘ . " ا.هـ
وبهذا يعلم الفرق بين مزاحه ومزاح أهل التهريج وفرق بين الثرى و الثريا ، فأين من كان إذا وعظ صحابته وذكرهم كأن على رؤوسهم الطير تعظيما لجنابه ، وأدبا مع ما يلقيه عليهم من الآيات والحكمة ، ممن إذا دخلت مواعظهم حسبتك داخلا في دار لهو أو أمام خشبة مسرح أو ( سينما ) ! .
ثم إنه قد جاء عن بعض السلف ذم المزاح وهو محمول على ما خرج عن الهدي النبوي فمما جاء في ذلك ما ذكره الإمام الغزي في كتابه المراح في المزاح وقد عاش في القرن التاسع فمما ذكر من الآثار والحكم :
قال إبراهيم النخعي: المزاح من سخف أو بطر.
وقيل في منثور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب.
وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته
وقال بعض البلغاء: من قل عقله. كثر هزله.
ثم قال – الإمام الغزي – رحمه الله : " فالعاقل يربأ بنفسه عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحهم مطلقا، وكذلك عن مزاح من هو أكبر منه لما ذكرنا من الحقد وخرق الحرمة، ولا بأس به بين الإخوان بما لا أذى فيه ولا ضرر ولا غيبة ولا شين في عرض أو دين، قاصدا به حسن العشرة والتواضع للإِخوان والانبساط معهم ودفع الحشمة بينهم من غير استهتار أو إخلال بمروءة أو نحوه استنقاص بأَحد منهم، فقد قيل للخليل بن أحمد إنك تمازح الناس فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وفي الاقتداء بمن ذكر والاقتفاء بآثارهم أعظم بركة، وفي الخروج عن ذلك الحد أشد عناء وأبلغ هلكة، وخير الأمور أوساطها. "ا.هـ
وبهذا يعلم الجواب على هذه الشبهة ويعلم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المزاح ، و أنه ليس بغالب على حياته ، ويعلم الفرق بين مزاحه صلى الله عليه وسلم ومزاح أهل التهريج . كما يعلم ضوابط المزاح، و آثار الإكثار منه و الخروج به عن الحد المشروع و إن كان لذلك تفصيل فيما سيأتي من الكلام . ويليه الشبهة الثانية و الجواب عنها إن شاء الله
والحمد لله رب العالمين
صالح السويح
8/9/1428هـ
ايها الأخوة نكمل ما بدأناه من الحديث عن أهل التهريج و أسأل الله أن يوفقنا لسداد وللفائدة :
فهذا رابط الحلقة الأولى :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=18190
رابط الحلقة الثانية :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=20101t=10419
رابط الحلقة الثالثة :http://www.sudayr.com/vb/showthread.php?t=20574
رابط الحلقة الرابعة :
http://sudayr.com/vb/showthread.php?t=23126
والحديث في هذه الحلقة عن بعض الشبهات التي يتعلق بها مربي الشباب بهذه الطريقة فأقول مستعينا بالله :
• شبهات بعض المربين للشباب على هذه الطريقة والجواب عنها .
الشبهة الأولى :
أن هذا من المزاح المحمود الذي تكون به الألفة :
والجواب على هذا بأن نبين مسألة المزاح في الشريعة ، وهل المزاح غالب على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وبيان الفرق بين مزح الرسول صلى الله عليه وسلم وبين تهريج المهرجين فأقول :
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هو و أمي أحسن الناس خلُقاً ، وأكملهم خَلْقاً . وكان خلقه القرآن وأثنى الله تعالى عليه بقوله : { وإنك لعلى خلق عظيم }
[ القلم : 4 ] ، ونفى الله تعالى عن رسوله الكريم الفضاضة و الغلظة فقال جل وعلا : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } [ التوبة : 128 ] وقال سبحانه مخبراً عن رسوله و مخاطباً له :{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك }[ آل عمران : 159 ] . وأخرج البخاري رحمه الله عن عطاء بن يسار لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال : " ... ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب في الأسواق ..." الحديث وهو عليه الصلاة والسلام الذي حث على حسن الخلق وبين جزاء أهله ، وحث على العفو والصفح ، والتواضع ، والابتسامة والتبسط مع الناس ومخالطتهم ، كما أنه عليه الصلاة والسلام امتثل ذلك فكان هديه أكمل هدي و أحسنه كما قال الله تعالى : { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } وقال عليه الصلاة والسلام كما في خطبة الحاجة : " فإن أحسن الكلام كلام الله وخير الهدي هدي محمد ... " و من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمزح .
ولكن ! كيف كان هديه صلى الله عليه وسلم في المزاح وهل المزاح مذموم أو محمود ؟ والجواب : أنه و بلا شك أن هديه أكمل هدي ، وأحسنه . فهو وسط بين الغالي والجافي فكان يمزح ولا يقول إلا حقاً ولا يداوم عليه وكان يبتسم ويضحك ولم يكن يتقهقه. والمزاح ليس بممدوح مطلقاً ولا بمذموم مطلقاً وسيتبين هذا من خلال الكلام .
فمما ثبت في مزاحه صلى الله عليه وسلم :
1- ما أخرجه البخاري عن أنس قال: إن كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير ما فعل النغير?.
2- ما أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قالوا: يا رسول الله إنك تداعبنا قال: " إِنّي لاَ أَقُولُ إِلاَّ حَقًّا.".
3- وأخرج الترمذي عن الحسن قال: أتت عجوز من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالت: يا رسول الله ادع لي بالمغفرة فقال لها: أَمَا عَلِمتِ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدخلُهُاَ العَجَاَئِزُ وفي روايةٍ العجوزَ وفي رواية لاَ تَدخُلُ الجَنَّةَ عَجُوزٌ فبكت وفي رواية فصرخت فتبسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال لها: لَستِ يَومَئذٍ بعَجُوزٍ أَمَا قَرَأتِ قَولَهُ تعالى: {إِنَّا أَنشَأنَاهُنَّ إِنشَاءَ * فَجَعَلنَاهُنَّ أَبكاَراً * عُرُباً أَتَراباً؟}.
4- و أخرج أبو داوود وغيره عن أنس أن رجلا استحمل فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقال: إِنّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ فقال: ما أَصنع بولد الناقةِ? فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وهَل تَلِدُ الإبِلَ إِلاَّ النُّوقُ?.
5- و أخرج أبو داوود والترمذي عن أنس أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال له:
" يَا ذَا الاُذُنينِ".
وغيرها من الأحاديث الكثير مما هو موجود في الصحاح و المسانيد . وهكذا هم الصحابة رضي الله عنهم والتابعين وسلف هذه الأمة كانوا يمزحون ، ويخلطون جدّهم بشيء من المزاح كما هو ثابت عنهم . فلا بأس بالمزاح على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم و يروى عن سعيد بن العاص أنه قال لابنه: " اقتصد في مزحك فإن الإفراط فيه يذهب البهاء، ويجرئ السفهاء، وإن التقصير فيه يغض عنك المؤانسين، ويوحش منك المصاحبين."
قال الشاعر :
أُروّح القلب ببعض الهـزلِ && تجاهلاً منّي بغير جـهـلِ
أَمزح فيه مزحَ أَهل الفَضل && والمزحُ أَحياناً جِلاء العقلِ
وقال البستي
أفِد طبعَك المكدودَ بالـجِـدّ راحةً && يَجِمَّ وعللّه بشيء من الـمـزحِ
ولكن إِذا أَعطيتَه المزح فلـيكـن && بمقدار ما تعطي الطَّعامَ من الملحِ
إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يكن دأبه المزاح واللهو بل كان معتدلا في ذلك عليه الصلاة والسلام فليس فيما سقته من الأحاديث مستمسك لأهل التهريج . فقد بوب البخاري رحمه الله باباً في صحيحه فقال : باب الانبساط إلى الناس والدعابة مع الأهل . قال الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 10/645 ) : " الدعابة : هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره ، وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا فقال : ( إني لا أقول إلا حقاً ) و أخرج من حديث ابن عباس ورفعه ( لا تمار أخاك وتمازحه ) الحديث والجمع بينهما أن المنهي عنه ما فيه إفراط أو مداومة عليه لما فيه من الشغل عن ذكر الله و التفكر في مهمات الدين ويؤل كثيراً إلى قسوة القلب و الحقد وسقوط المهابة والوقار ، والذي يسلم من ذلك هو المباح ، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومؤانسته فهو مستحب ، قال الغزالي من الغلط أن يتخذ المزاح حرفة ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم مزح ، فهو كمن يدور مع الريح حيث دار ، ينظر رقصهم ، ويتمسك بأنه صلى الله عليه وسلم أذن لعائشة أن تنظر إليهم " ا.هـ وقال الإمام النووي رحمه الله كما ذكر ذلك العلامة المباركفوري في تحفة الأحوذي في باب البر والصلة رقم 56 : " اعلم أن المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه ، فإنه يورث الضحك وقسوة القلب و يشغل عن ذكر الله و الفكر في مهمات الدين ويؤل في كثير من الأوقات إلى الإيذاء ويورث الأحقاد، ويسقط المهابة والوقار ، فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ( على الندرة ) ، لمصلحة تطييب نفس المخاطب ومؤانسته . و هو سنة مستحبة فاعلم هذا فإنه مما يحتاج إليه " ا.هـ
فتبين من هذا أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس غالبا على حياته ، فهو وسط بين الجافي الذي نزعت من قلبه الرحمة ، وبين الغالي الذي جعل دينه لهواً ولعبا ونسي أن الشريعة أوامر وتكاليف ،وأن العمل بالشريعة و الاستقامة على الدين مطية للجنة ، والجنة حفّت بالمكاره والنار حفّت بالشهوات . وبهذا يعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم .
و بهذا يعلم الفرق بين مزاح أهل التهريج ومزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تلك الفروق :
1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمزح ولكن لا يقول إلا حقاً ، بخلاف أهل التهريج ، فإنهم يمزحون بالغث والسمين وبالحق والباطل كما ذكرت من سماتهم .
2- انه لم يكن يداوم عليه ، فيخلط الجد بالهزل . بخلاف المهرجين ، حيث جعلوا المنهج الذي يسيرون عليه في دعوتهم قائم أساساً وأصلاً على التنكيت و المزاح مع إدخال النصح والتذكير فيه . ولذلك يستغرب جداً أن يحضر احدهم ولا يقدم للجمهور ما عنده من السخافات التي يظنها دعوة إلى الله ، فإذا لم يمزح ويُنكِّت – وهذا نادر إن لم يكن معدوماً - سرعان ما يمل الجمهور ثم تجد التذمر على ألسنتهم .
3- أن مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يصاحبه خروج عن السمت المأمور به ، فضلاً عن الحدود من الأوامر والنواهي . وهؤلاء خرجوا عن السمت النبوي وذلك بالإكثار من الضحك و القهقهة . و خرموا حدود ما أمر الله به ونهى عنه من الكذب والسخرية بالمسلمين والتشبه بالنساء وغير ذلك مما سبق بيانه .
ويتبين هذا من خلال ما قاله الإمام ابن حجر رحمه الله في الفتح ( 10 / 618-619) تحت ما بوبه الإمام البخاري بقوله : باب التبسم والضحك . قال الإمام ابن حجر : " التبسم مبادئ الضحك ، والضحك انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور ، فإن كان بصوت ، وكان بحيث يسمع من بُعْد فهو القهقهة ، و إلا فهو الضحك ، وإن كان بلا صوت فهو التبسم " ثم قال رحمه الله : " والذي يظهر من مجموع الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم ، وربما زاد على ذلك فضحك ، والمكروه من ذلك إنما هو الإكثار منه أو الإفراط فيه ، فإنه يذهب الوقار ، قال ابن بطال : والذي ينبغي أن يقتدى به من فعله ما واظب عليه من ذلك فقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه من وجهين ورفعه عن أبي هريرة رضي الله عنه : ’’ لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب ‘‘ . " ا.هـ
وبهذا يعلم الفرق بين مزاحه ومزاح أهل التهريج وفرق بين الثرى و الثريا ، فأين من كان إذا وعظ صحابته وذكرهم كأن على رؤوسهم الطير تعظيما لجنابه ، وأدبا مع ما يلقيه عليهم من الآيات والحكمة ، ممن إذا دخلت مواعظهم حسبتك داخلا في دار لهو أو أمام خشبة مسرح أو ( سينما ) ! .
ثم إنه قد جاء عن بعض السلف ذم المزاح وهو محمول على ما خرج عن الهدي النبوي فمما جاء في ذلك ما ذكره الإمام الغزي في كتابه المراح في المزاح وقد عاش في القرن التاسع فمما ذكر من الآثار والحكم :
قال إبراهيم النخعي: المزاح من سخف أو بطر.
وقيل في منثور الحكم: المزاح يأكل الهيبة كما تأكل النار الحطب.
وقال بعض الحكماء: من كثر مزاحه زالت هيبته
وقال بعض البلغاء: من قل عقله. كثر هزله.
ثم قال – الإمام الغزي – رحمه الله : " فالعاقل يربأ بنفسه عن سفساف الأمور وعن مخالطة السفلة ومزاحهم مطلقا، وكذلك عن مزاح من هو أكبر منه لما ذكرنا من الحقد وخرق الحرمة، ولا بأس به بين الإخوان بما لا أذى فيه ولا ضرر ولا غيبة ولا شين في عرض أو دين، قاصدا به حسن العشرة والتواضع للإِخوان والانبساط معهم ودفع الحشمة بينهم من غير استهتار أو إخلال بمروءة أو نحوه استنقاص بأَحد منهم، فقد قيل للخليل بن أحمد إنك تمازح الناس فقال: الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وفي الاقتداء بمن ذكر والاقتفاء بآثارهم أعظم بركة، وفي الخروج عن ذلك الحد أشد عناء وأبلغ هلكة، وخير الأمور أوساطها. "ا.هـ
وبهذا يعلم الجواب على هذه الشبهة ويعلم هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في المزاح ، و أنه ليس بغالب على حياته ، ويعلم الفرق بين مزاحه صلى الله عليه وسلم ومزاح أهل التهريج . كما يعلم ضوابط المزاح، و آثار الإكثار منه و الخروج به عن الحد المشروع و إن كان لذلك تفصيل فيما سيأتي من الكلام . ويليه الشبهة الثانية و الجواب عنها إن شاء الله
والحمد لله رب العالمين
صالح السويح
8/9/1428هـ