المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب العناية بالتوحيد علماً وعملاً ودعوةً


صالح السويح
27-01-2009, 05:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

لقد خلق الله الخلق لحكمة عظيمة وهي عبادته كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ( الذاريات آية : 56 ) قال العلامة ابن سعدي رحمه الله : " هذه هي الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها ، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ، ومحبته ، والإنابة إليه ، والإقبال عليه ، والإعراض عما سواه " ا.هـ
فهذه الآية العظيمة فيه إثبات ونفي ، إثبات الغاية التي من أجلها خلق الله الخلق وهي عبادته ، وفيها نفي و إبطال كل غاية يسعى إليها لا تؤدي إلى هذه الغاية .
وعليه فإذا كانت هذه هي الغاية التي خلق الله الخلق من أجلها ، فحقيق بكل مسلم أن يسعى جهده في تحقيق توحيده بقدر استطاعته ، بقلبه وجوارحه على أكمل وجه ، وذلك بـــ :
1- صرف العبادة لله وحدة دون من سواه و الاستقامة على شرعه .
2- الكفر بالطاغوت و البراءة من الشرك وأهله ، ومن كل قول محدث ، وشرع مبتدع .
كما قال الله تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } ( النحل : 36 ) .
وقوله تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم } ( البقرة : 256 )

وهذا هو تفسير كلمة التوحيد ’’ لا إله إلا الله محمد رسول الله ‘‘ فحقيقة هذه الكلمة كلمة التوحيد الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والبراءة من الشرك و أهله ، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر ، و أن لا يعبد الله إلا بما شرع . قال العلامة محمد العثيمين رحمه الله كما في كتابه القول المفيد على كتاب التوحيد : (1/106 ) : " تحقيقه : أي تخليصه من الشرك "ا.هـ
و قال العلامة صالح الفوزان حفظه الله في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( ص : 65 ) : " تحقيق التوحيد تصفيته من الشرك والبدع والذنوب " ا.هـ

ومن مقتضى التوحيد : التحاكم لشرع الله ( وهذا من الإيمان بالله ) والإعراض عما سواه ( وهذا من الكفر بالطاغوت ) ، في كل صغير وكبير ، فإذا نازعت العبد نفسه في الإقدام على أمر ما صغيراً أو كبيراً ، أو تنازع مع شخص آخر ، فليرجع ويتحاكم لشرع الله وليقدمه على هواه و مشْتَهاه ، كما قال سبحانه : { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسول ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا واطعنا } ( النور : 51 )
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله : " أي : [ إنما كان قول المؤمنين ] حقيقة ، الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم حين يُدْعَون إلى الله ورسوله ليحكم بينهم سواءً وافق أهواءهم أم خالفها [أن يقولوا سمعنا واطعنا] أي : سمعنا حكم الله ورسوله واجبنا ما دعانا الله إليه ، واطعنا طاعة تامة سالمة من الحرج "ا.هـ

وقوله تعالى : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ( النساء:65 ) .
قال العلامة ابن سعدي رحمه الله : " أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم ، أي : في كل شيء يحصل فيه الاختلاف "ا.هـ

وقوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً } ( النساء : 60 )
قال ابن سعدي رحمه الله : " الطاغوت كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت "ا.هـ
وقال العلامة صالح الفوزان حفظه الله في كتابه إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ( 2/118 ) : " التحاكم إلى ما أنزل الله داخل في التوحيد والتحاكم إلى غيره من أنواع الشرك ، لأن من معنى [ لا إله إلا الله ] ومقتضاها ومدلولها : التحاكم إلى كتاب الله وسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومن تحاكم إلى غير كتاب الله وسنّة رسوله فقد أخل بكلمة التوحيد " ا.هـ
وقال حفظه الله : " فمدلول الشهادتين أن نتحاكم إلى كتاب الله وإلى سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أمورنا : ليس في المنازعات فقط بل التحاكم في المقالات والاجتهادات الفقهية أيضا "ا.هـ وقال حفظه الله (ص : 119 ) : " وكذلك التحاكم في المناهج التي يسمونها الآن : منهاج الدعوة ، ومناهج الجماعات من هذا الباب ، يجب أن نحكم فيها كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فما كان منها متمشياً مع الكتاب والسنّة فهو منهج صحيح يجب السير عليه ، وما كان مخالفاً لكتاب الله وسنّة رسوله يجب أن نرفضه ، وأن نبتعد عنه ، ولا نتعصب لجماعة أو لحزب أو لمنهج دعوي ونحن نرى أنه مخالف لكتاب الله وسنّة رسول صلى الله عليه وسلم ، فالدعاة منهم من هو داعية ضلالة . فالذي يقصر التحاكم إلى الكتاب والسنّة على المحاكم الشرعية فقد غالط ؛ لأن المراد التحاكم في جميع الأمور و المنازعات في الخصومات وفي الحقوق المالية ، وغيرها ، وفي أقوال المجتهدين ، وأقوال الفقهاء ، وفي المناهج الدعوية لأن الله تعالى يقول : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } و [ شيء ] نكرة في سياق الشرط فتعم كل نزاع وكل خلاف "ا.هـ

إن أوجب واجب على كل مسلم أن يسعى إليه تحقيق التوحيد . و أوجب واجب على كل مسلم أن يحذر و يخاف من الشرك ، كبيره وصغيره . فكل ذنب ما خلا الشرك يغفره الله – إن شاء - . كما قال الله تعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ( النساء : 48 )وإذا كان كذلك فالشرك صغيره وكبيره خطير ، ولا ينبغي الاستهانة به ، أو الأمن من فقدانه أو وقوع الخلل فيه فهذا نبي الله تعالى إبراهيم عليه السلام يسأل ربه فيقول : { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } ( إبراهيم : 35 ) فمن يأمن بعد إبراهيم ؟!
وفي الحديث قال عليه الصلاة والسلام " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر سئل عنه فقال :الرياء "
عند البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من مات وهو يدعوا من دون الله ندّا دخل النار ".
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " .

فإذا كانت هذه منزلة التوحيد ، وهذه خطورة الوقوع بالشرك ، وأنه لا يأمن على الإنسان على نفسه أو ذريته من بعده من الزيغ بعد الهدى ، فالواجب العناية بدعوة التوحيد ، و تكرارها التذكير بها وبعظم المنة بها ، في كل مكان في البيوت ، والمساجد ، وحلق القرآن ، والمخيمات الدعوية ، والأندية الصيفية ، وفي كل مكان ، وواجب على كل مسلم أن يسعى جهده لإخضاع قلبه لتحقيق التوحيد ، لاسيما وأن هذا الزمان زمان فتن وشبهات ظاهرة ، ولنحذَر من دعاة الباطل المزهّدين بدعوة التوحيد بحجة أن الدعوة إلى التوحيد تنفّر الناس وتفرقهم ، أو أن التوحيد معروف ، أو غير ذلك فرأس الأمر الإسلام ولا إسلام مع توحيد ضائع ،فقلوب أهل هذا الزمان تشعبت بين أودية الأهواء والشهوات ، و رغبت بالدنيا عن الآخرة ، وسكنت للضعيف الفقير من كل وجه وغفلت عن القوي الغني من كل وجه - إلا من رحم الله وقليل ماهم - فما أشد حاجة الأمة للتحقيق التوحيد في القلوب والجوارح ، فتغدوا عقيدة التوحيد حقيقةً في أرض الواقع ، وما ذاك بعسير .
قال العلامة عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ حفظه الله في كتاب الجامع لخطب عرفة ( ص : 23 ) : " إن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يدع ابتداءً إلى الصلاة ولا إلى الزكاة ولا إلى الحج ولا إلى غيره ، وإنما جعل أول أمره اهتمامه بتحقيق التوحيد بتحقيق لا إله إلا الله ، بإرسائها في النفوس ، باستئصال الشرك وعبادة غير الله فاهتم بهذا الأمر العظيم غاية الاهتمام لأن هذا هو الأصل ، فبتحقيقه و تصفيته ، وتنقيحه تستنير القلوب ، وتستضيء بوحي الله ، وتنقاد الجوارح لأمر الله ، أما إذا كان القلب منصرفاً لغير الله آلها غير الله ، فإنه لن ينقاد للخير أبداً "ا.هـ




وبعد ؛ فهذه هي الغاية التي خُلِقَ الخلقُ لأجلها ، وهذه منزلتها ، فاسلك الجادّة ، وكن على السبيل ، واحذر السبل المتفرقة تنجو وتفلح .


والحمد لله رب العالمين



صالح السويح
1/2/1430هـ

صفر ستة
27-01-2009, 07:19 PM
طيّب .. ما حكم الرجوع لقرارات الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ؟

الطاير
27-01-2009, 08:49 PM
بارك الله فيك الشيخ صالح
ونفع الله بعلمك

عبدالسلام
27-01-2009, 08:50 PM
بارك الله فيك

FROZEN
28-01-2009, 10:04 AM
اعتقد كل حكم فيه عداله للانسان فهو احتكام للشرع ,, حتى لو مانزلت آيه صريحه في بعض الاحكام ,
شكرا

صفر ستة
28-01-2009, 04:32 PM
اعتقد كل حكم فيه عداله للانسان فهو احتكام للشرع ,, حتى لو مانزلت آيه صريحه في بعض الاحكام ,
شكرا

يعني يجوز التحاكم للطاغوت

هذا ينافي دعوة التوحيد

العلماء المحليون وللأسف لم يتطرقوا لمثل هذه المواضيع الهامة لربما جهلاً !! وربما خوفاً وجُبناً !! !

شانيل
29-01-2009, 11:31 AM
جزيت خير ياشيخ صالح..وبموازين اعمالك.

صالح السويح
30-01-2009, 01:32 AM
الطاير
عبدالسلام
شانيل
أشكر لكم مروركم الكريم

الأخ فرزون : الكتاب والسنَّة قد أُحَْكِمتا في كل شيء ومن ذلك تعامل المسلمين مع الكفار.
فهما المرجع في ذلك والحجة ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه.

بارك الله في الجميع وأعتذر لبعد تعقيبي على مداخلات الأخوة الكرام

صفر ستة
30-01-2009, 01:33 AM
لم تجب على تساؤلي يا شيخ صالح ؟

أنصحك بالرجوع إلى كلام سيد قطب رحمه الله حول هذه المسألة التي تمس جناب التوحيد في المقام الأول